قراءة في دلائل التدريس بالتناوب
ذ. معاذ فراكة
السياق العام :
يذهب الكثير من الباحثين والدارسين المهتمين
بالمجال التربوي المغربي، إلى اعتبار اعتماد نمط التدريس بالتناوب، من لدن
القائمين على الشأن التربوي ، اختيارا مرتبطا بتدبير أزمة كوفيد 19، الأزمة
العالمية (في ظل عولمة الأزمات وعالميتها) التي أرخت بظلالها على كل مجالات الحياة
( الاقتصاد، السياسة، العلاقات الاجتماعية ...) ، مما خلف أثرا غائرا في أعماق النفس الإنسانية .
والمغرب، كغيره من الدول، حاول وضع
استراتيجيات تخص مختلف مجالات الحياة، تهدف إلى تدبير الأزمة وامتصاص صدماتها قدر
الإمكان، ضمانا لاستمرارية القطاعات الأكثر حيوية في العمل، وفي مقدمتها التعليم،
دون مساس بصحة الأفراد وتهديدها. فكان اعتماد نمط التعليم عن بعد في
المرحلة الأولى، تزامنا مع فترة الحجر الصحي، فكان لهذا النمط إيجابياته وسلبياته،
التي بدأ بعضها يظهر خلال هذا الموسم الدراسي، غير أن هذه السلبيات مهما قيل عنها،
ومهما تم تهويلها، فإنها لا تنفي حقيقة أن التعليم عن بعد أسهم في الحفاظ
على سلامة المتعلمين وكل المحتكين بهم، داخل المدرسة وخارجها.
مع بداية الموسم الجديد 2020/2021 ، ستعتمد
وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي،نمطا
تعليميا-تعلميا قائما على مبدأ المزاوجة بين التعليم الحضوري والتعلم الذاتي، وهو
ما اصطلح عليه التعليم بالتناوب، وإن كانت الصيغة الأولية التي أشارت إليها
المذكرة 20*039 ( مذكرة مرجعية
في هذا الصدد) تنص صراحة على اعتماد التعليم عن بعد، مع احترام رغبات
المتعلمين ومنح حق الاختيار لأوليائهم للتعبير عن رغبتهم في استفادة فلذات أكبادهم
من التعليم الحضوري، مع ضرورة تمكينهم من خياراتهم. وبالفعل هذا ما سيحدث، حيث
سيعبر معظم المعنيين بالأمر عن رغبتهم في الاستفادة من الدروس الحضورية، وهذا ما
سيجعل الوزارة الوصية تعمل بصيغة تحترم الرغبات المعبر عنها، وتستجيب لإكراهات
الفضاء والزمان المدرسيين في ظل الأزمة الصحية، فكان اختيار العمل بنمط يزاوج بين التعليم
الحضوري والتعليم عن بعد،الذي يفترض أن يستثمر في جزء كبير منه
التكنولوجبا المعلوماتية في التعليم والتعلم، وهذا المزيج بينهما هو ما سمي بالنمط
التناوبي في التدريس.
غير أن الرجوع إلى فترات ما قبل الأزمة
الصحية (كوفيد 19)، وما قبل المذكرة 20*039 ، سيلحظ أن الوضعية
الصحية الحالية لم تقم إلا بتعجيل هذا النمط في التدريس، ولم تؤسس له. ذلك لأن
الحديث عن استثمار الموارد الرقمية والوسائل التكنولوجية في الفعل التعليمي، ليس
وليد الظرفية الراهنة، إنما يجد جذوره في معظم الإصلاحات التي عرفتها المنظومة
التعليمية، منذ الميثاق (2000-2009)، مرورا بالمخطط الاستعجالي
(2009-2012)، وصولا إلى الرؤية الاستراتيجية (2015-2030) والقانون
الإطار17-51 المرتبط بها.
فالمجال الثالث من القسم الثاني (المجالات
والدعامات) داخل الميثاق الوطني للتربية والتكوين،والموسوم ب " الرقي بجودة
التعليم"، أكد في إحدى دعاماته على ضرورة استثمار التكنولوجيا الحديثة في
الإعلام والتواصل في مجال التعليم، واستجابة لهذا المطلب تم تنزيل مجموعة من
الاجراءات- ولايهمنا ،هنا، الحكم على مدى
نجاعتها أو سرعة تنفيذها في ذلك الوقت- ليحاول المخطط الاستعجالي، بعد ذلك،
تسريع إنجاز ماورد في الميثاق.
غير أن ما أنجز في ظل الإصلاحات السابقة ظل
هزيلا، بالنظر إلى متطلبات المرحلة الراهنة، وخاصة متطلبات مجتمع المعرفة،
وإكراهات مرحلة العولمة الرقمية، وحاجيات مجتمع ما بعد الحداثة. وهذا ماسيعجل بصياغة رؤية
استراتيجية كان هدف القائمين على بلورتها( المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث
العلميوالوزارة الوصية) هو ضمان مواكبة التعليم المغربي للمتطلبات التي سبقت
الإشارة إليها، وضمان تمكين المدرسة من الاضطلاع بخمس وظائف أساسية: التربية على
القيم، والتعليم، والتكوين،والتأهيل لولوج سوق الشغل،وتسهيل الاندماج الاجتماعي
للمتعلم في محيطه، أو ما يعرف بالوظيفة التطبيعية للمدرسة. وذلك ضمانا لتجويد
التعلمات وتكافؤ الفرص، والارتقاء بالفرد والمجتمع.
ومن الرافعات التي جاءت بها الرؤية
الاستراتيجية، وذات الصلة بموضوعنا ، نجد مسألة تجديد مهن التربية والتكوين، ومبدأ
التعليم مدى الحياة ( تعليم لا يرتبط بالسن ولا بالمدرسة)، والمدرسة ذات الجدوى
والجاذبية، أو ما يسمى منح معنى للتعلمات، بالإضافة إلى الحديث عن الانخراط في
مجتمع المعرفة...كل هذه الإشارات والتوصيات الواردة في الرؤية الاستراتيجية، ومن
بعدها القانون الإطار، كانت لتؤسس، عاجلا أو آجلا، لنمط تعليمي يستثمر، بل ويبنى
في جزء كبير منه، على ما تتيحه الثورة الرقمية من إمكانات تقنية ومعرفية وتواصلية
وديداكتيكية ...
نتيجة لهذه المعطيات، تم اعتماد نمط
التعليم بالتناوب، وهو خيار يتداخل فيه ما هو جبري ( الاستجابة لإكراهات المرحلة الآنية
المتسمة بالخوف والقلق من تداعيات أزمة كوفيد19)، وما هو اختياري ( اعتبار التعليم
التناوبي نتيجة حزمة من الإصلاحات المتعاقبة، وبوابة نحو مجتمع المعرفة). وهنا يحق
لنا التساؤل عن إمكانية استمرار العمل بهذا النمط التعليمي، بعد انقشاع الأزمة
الصحية وعودة الحياة إلى سيرها العادي. وهذا هو ما يمكن فهمه من خلال تأويل مجموعة
من المذكرات التنظيمية والنصوص ذات الصلة بهذا الموضوع. وإن كانت الدلائل المنظمة
للتعليم التناوبي الخاصة بالمديريات الجهوية،التي هي موضوع هذا العرض، تنص بصريح
العبارة على أن التعليم الحضوري هو التعليم الأساس، وأن النمط التناوبي أو نمط
التعليم عن بعد، هما فقط بديلين عرضيين، سيزول العمل بهما بزوال الأزمة الصحية.
لقد خلف اعتماد التعليم بالتناوب، ارتباكا
إداريا وتربويا، للوهلة الأولى. وهذا أمر بدهي يرتبط بالطبيعة البشرية التي تتخوف
من كل ماهو جديد ومباغث، من جهة، ومرده من جهة ثانية جملة من الإكراهات الموضوعية،
التي قد يستغرق الحديث عنها بحثا برمته. وبهدف التعريف بهذا النمط التعليمي
الجديد، وتسهيل عمل الشركاء التربويين، وتقسيم الأدوار بينهم، وبيان مالهم وما
عليهم، في ظل هذه المتغيرات الجديدة، تمت صياغة المذكرة المؤطرة للتعليم
التناوبي،والمشار إليها آنفا(20*039)، والتي ستشكل لاحقا مرجعا لمجموعة من الدلائل
ذات الصبغة التخصصية، التي ترسم ملامح هذا النمط الجديد، في علاقته بكل مادة مدرسة
على حدة، آخذة في الحسبان الخصائص المعرفية والديداكتيكية لهذه المادة.
لقد حاولنا في هذا العرض، أن نقدم دراسة
واصفة ومقارنة للدلائل المشار إليها أعلاه، معتمدين على ما تسنى لنا توفيره منها،
مع تحليلها و"نقدها" كذلك، محاولين إبراز ما قدمته وما غيبته- سهوا
بطبيعة الحال- منطلقين في كل هذا من مجموعة من الإشكالات، نصوغها كالآتي:
هندسة الدلائل :
حاولت
الدلائل التي تمت صياغتها على مستوى الجهات، من لدن المفتشين التربويين
التخصصيين، أن تكيف مضامين المذكرة المنظمة للتعليم وفق نمط التناوب، مع خصائص كل
مادة، لذلك فالحديث عن الدلائل تأسس بدءا
على قراءتنا لتلكم المذكرة، وعلى محاولة فهم مضامينها وأبعادها، وأيضا مقارنة
دلائل اللغة الغربية للسلك الثانوي، بشقيه الإعدادي والثانوي،بدلائل بعض المواد
الأخرى.
وهكذا سنلاحظ أن هذه الدلائل ستعيد صياغة
مضامين المذكرة 039 في الشق المرتبط بالتنظيم
البيداغوجي والديداكتيكي، مع تسجيل ملاحظة أساسية مفادها: عدم وضوح الرؤية لدى
معظم المتدخلين، ويظهر ذلك في الإكثار من صيغ الإمكان المستعملة، عوض صيغ الوجوب.
ومنح المدرس كل الصلاحيات في اختيار طريقة الاشتغال، ما يعني غياب تصور دقيق
لطرائق الاشتغال في علاقة بعناصر منهاج مادة اللغة العربية (لانريد الإشارة هنا،
إلى دلائل المواد الأخرى، لأن ذلك لايدخل ضمن اختصاصاتنا).
لقد حاولت تلكم الدلائل، رغم اختلاف عدد
صفحاتها (من 6 صفحات إلى 67 صفحة) أن تسهل عمل الأطر التربوية، وتقدم لهم فهما
لفحوى التعليم التناوبي،مركزة في ذلك على المحتوى المقدم، في علاقته بالإكراهات
الزمانية والمكانية التي أفرزتها الجائحة، دونما تركيز على باقي عناصر المنهاج، أي
أن هذه الدلائل قدمت لنا جوابا عن السؤال: ماذا سندرس ? وأهملت في المقابل
الإجابة عن الأسئلة الأخرى ذات الصلة بمنهاج مادة اللغة العربية: لماذا، كيف،
بماذا...
الغايات والأهداف: اختزلت الدلائل
غايات التدريس التناوبي، في الحاجة إلى تدبير الأزمة الصحية، دون الإشارة إلى أن
هذا النمط التعليمي من شأنه التأسيس لمبدأ التعلم مدى الحياة، والمساعدة على ولوج
اقتصاد المعرفة،والمجتمع الرقمي، كما من شأنه تنمية الكفايات التكنولوجية والرقمية
لدى المتعلم ( نسجل هنا إهمال الدلائل جميعها المتعلمين في وضعيات خاصة، وعدم
تحديد وضعهم في ظل هذا النمط التعليمي)
طرائق التدريس: لم تتم الإشارة بدقة
إلى الطرائق البيداغوجية أو تقنيات التنشيط الرقمي التي يمكن اعتمادها في الشق
المرتبط بالتدريس عن بعد، سواء على مستوى عملية التخطيط أو التدبير أو التقويم (
تم التأكيد على أن التقويم يجب أن يكون حضوريا) أوالدعم والمعالجة،علما أن الساحة
التنظيرية للتعليم الرقمي تعج بالتقنيات ذات الصلة بالتنشيط التربوي الرقمي( سنفصل
الحديث عن هذه التقنيات في الصيغة النهائية للعرض، مع ربطها وظيفيا بمكونات اللغة
العربية).
الوسائل الديداكتيكية: تمت
الإشارة إلى الوسائط التي يمكن اعتمادها
في جانب التعليم عن بعد، الأشرطة، الوثائق،المنصات الخاصة بالتدريس...غير أن هذه
الوسائط لاتساير تطلعات جمهور المتعلمين، خاصة أن متعلم اليوم متعلم منفتح على
البرمجة والرقمنة،( سنشير في العرض المنقح إلى بعض البرامج الرقمية المعتمدة في
التدريس عن بعد). ويأتي هذا الاختزال للوسائط التعليمية، من "قصور" في
فهم أهداف وأبعاد التعليم عن بعد، التي تم اختزالها -داخل
الدلائل- في إيصال المعارف النظرية في
استقلال تام عن المعارف التكنولوجية.
المحتوى: رغم المزاوجة بين التعليم الحضوري والتعليم
عن بعد، ظل المقرر الدراسي هو هو، وظل الكتاب الورقي كما هو، وبقي فضاء المكتبة
كما كان....بمعنى أن ملامح التعليم الحضوري التقليدي بقيت على حالها، علما أنه
توجد مجموعة من البدائل التي كان من الممكن الاستئناس بها: الكتاب الالكتروني،
المكتبة الرقمية، معرف ومحتويات ذات صلة
باستثمار الكنولوجيا والبرامج الرقمية في درس اللغة العربية...وقد كان بإمكاننا
الاستفادة من تجارب رائدة عالمية( اليابان- فلندا- نموذج الجامعات المفتوحة في
انجلترا..) أو من تجارب الدول العربية التي سبقتنا إلى هذا المجال( قطر –
لبنان...)، غير أن مايشفع لهذا "التقصير" هو ارتباطه بعنصر المباغثة (
كوفيد19)، ونسجل في هذا الصدد، أن الدلائل قدمت وصفا وتقسيما دقيقين للمحتويات
المدرسة في التعليم الإعدادي والثانوي، رابطة هذه المحتويات بإطارها الزماني،آخذة
بعين الاعتبار التسلسل البنائي لكل مكون على حدة، غير أنها همشت التعليم الأصيل،
ولم تشر إليه إطلاقا، ونستثني هنا دليلا واحدا،ة هو دليل جهة سوس ماسة، الذي تحدث
باستفاضة عن تدريس اللغة العربية في التعليم الأصيل.
أساليب التقويم: لقد شددت الدلائل، ومن قبلها المذكرة 039 ، على ضرورة اعتماد التقويم في صيغته
الحضورية، وهذا أمر مبرر نظريا، إذا ما ربطناه بمبدأ تكافؤ الفرص، والاعتماد على
الذات، وربط التقويم بفضاء زمكاني محدد. إلا أن هذا لا يمنع من توظيم بعض التقنيات
الرقمية – عملا بالمبدأ القائل بأن الجزاء من جنس العمل – كاستثمار التغذية
الراجعة الالكترونية، والتقويم الالكتروني عبر توظيف بعض البرامج والتطبيقات مثل: One Note – Edmodo – Class Maker – Safe
Assign. – Kahoot ...
وعليه، فالحاجة إلى ربط تلكم الدلائل بمنهاج كل
مادة على حدة من جهة، وبمتطلبات المرحلة الراهنة من جهة ثانية، أضحت ملحة، وتستدعي تدخل كل
الفاعلين والشركاء التربويين، كل من موقعه، بهدف بلورة تصور متكامل يروم النهوض
بالمنظومة التعليمية، وتحصينها – مستقبلا – ضد كل الأزمات والتغيرات المحتملة،
واعتبار التعليم بالتناوب خيارا دائما، وليس مجرد اختيار آني وعرضي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق